عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
377
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في التمتع بالعمرة إلى الحج ] تقدير الكلام ، فإذا أمنتم الإحصار بالخوف أو المرض ، « فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ » واختلفوا في هذه المتعة : فقال عبد اللّه بن الزّبير « 1 » : معناه فمن أحصر حتّى فاته الحجّ ، ولم يتحلّل ، فقدمّ مكّة ، فخرج من إحرامه بعمل عمرة ، أو استمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السّنة المقبلة ، ثم حجّ فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثّاني في العام القابل « 2 » ، وقيل معناه : فإذا أمنتم ، وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ، ولم تقضوا عمرتكم ، وأخرتم العمرة إلى السّنة القابلة ، فاعتمرتم في أشهر الحجّ ، ثم حللتم واستمتعتم بإحلالكم إلى الحجّ ، ثم أحرمتم بالحجّ ، فعليكم ما استيسر من الهدي ، وهو قول علقمة ، وإبراهيم النّخعيّ ، وسعيد بن جبير « 3 » . ومعنى التّمتّع : التّلذّذ ، يقال تمتّع بالشّيء ، أي : تلذّذ به ، والمتاع : كلّ شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : « حبل ماتع » أي : طويل ، وكل من طالت صحبته بالشّيء ، فهو متمتّع به ، والتمتع بالعمرة إلى الحجّ هو أن يقدم مكّة معتمرا في أشهر الحجّ وينزع منها ، ثم يقيم بمكّة حلالا ، حتّى ينشئ منها الحجّ من عامه ذلك ، وإنّما سمّي متمتعا لأنّه يكون مستمتعا بمحظورات الحج فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحجّ ، وهذا التمتع الّذي ليس بمكروه ، بل هو الأفضل عند أحمد ، وإتمام التّمتّع المكروه ، وهو الّذي خطب به عمر - رضي اللّه عنه - وقال : « متعتان كانتا على عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما ، متعة النّساء ، ومتعة الحجّ » « 4 » ، والمراد بهذه المتعة أن يجمع بين الإحرامين ، ثمّ يفسخ الحجّ إلى العمرة ، ويتمتّع بها إلى الحجّ ، روي أنّ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أذن لأصحابه في ذلك ثمّ نسخ . روي عن أبي ذرّ أنّه قال : ما كانت متعة الحج إلّا لي خاصة ، وكان السّبب فيه أنّهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحجّ ، ويعدّونها من أفجر الفجور ، فلما أراد - عليه السّلام - إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه ، بأن نقلهم في أشهر الحجّ من الحجّ إلى العمرة ، وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلهذا المعنى كان فسخ الحجّ خاصّا بهم « 5 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 170 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 88 ) عن عبد اللّه بن الزبير وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 387 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 170 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 130 . ( 5 ) أخرجه ابن ماجة ( 3984 ) والنسائي ( 2808 ) وأحمد ( 3 / 469 ) والحاكم ( 3 / 517 ) والدارمي ( 2 / 50 ) والطبراني في « الكبير » ( 1 / 357 ) وابن عبد البر في « التمهيد » ( 8 / 357 ) .